بقلم: أحمد اداسكو
عبر التاريخ بينت المجتمعات انها لا يمكن ان تقوم بدون قانون الذي بدوره لا يمكن ان يكون بدون سلطة تنظمه و تحرص على تطبيقه، مما يعني انني اتحدث عن الدولة، المجتمعات منذ القديم و لم ان لم تكن الدولة بمفاهيمنا الحالية كانت تصنع قوانينها و تلتزم بها، و لما كبر حجم القبائل ادى الى الاتفاق على خلق سلطة لها شرعية يتخلى بموجبها كل فرد عن جزءا من حريته لصالح السلطة اي الدولة المنظمة بمؤسساتها، غير انه لم يكن اتفاق بدون مقابل فإذا تخلى الافراد عن جزء من حريتهم/قوتهم لصالح الدولة فالدولة عليها ان تستجيب و تطبق القوانين التي اتفقت عليها الاغلبية و تضمن سلامتهم و امنهم و تسهر على حسن سير المؤسسات و منع الاعتداءات و الظلم سواء بين الافراد او من طرف قوة خارجية..
مع مرور الوقت تطورت المجتمعات فظهر التعليم المنظم الذي انتشر بعد عصر النهضة الاوربية ليصير من اولويات الدول خصوصا بعد القرن العشرين، فالتعليم في كل البلدان تتكلف به الدولة و تنفق عليه من خلال مستحقات الضرائب التي تفرض على الفاعلين الاقتصاديين و المواطنين .. و قد خطا التعليم خطوة كبيرة خصوصا في البلدان الغربية حيث التعليم اجباري (على الاقل الاولي و الثانوي) و منذ ما يزيد عن 300 سنة اعطى التعليم العمومي أعظم العقول في مجالات مختلفة، و لم تكن الى الوقت القريب اية مؤسسة تعليمية خاص اذ كل المؤسسات كانت عمومية تنظم المباريات للدخول اليها اعتمادا على الذكاء و القدرات و التجارب .. كالجمعية الملكية البريطانية المشورة التي لا تزال رائدة الى اليوم و معظم الجامعات المرموقة عبر العالم .. القطاع الخاص لم ينطلق فعليا الا خلال العقدين الاخيرين.
اننا نرى المؤسسات التعليمية الخاصة اليوم تدفع اكثر مما يدفعه المواطن من الضرائب للدولة علاوة على كون الضرائب لا تعود بالتمويل على التعليم فحسب بل تشمل عدة قطاعات اخرى: البنيات التحية، الصحة، الامن، البحث العلمي... لكن ماذا لو لم تم تحويل كل القطاعات الى القطاع الخاص ؟ كيف ستكون "الدولة" و البنية السوسيوثقافية و الاقتصادية للمجتمع ؟ الجواب باختصار : الكوارث و الازمات..
ان بعض المؤسسات في القطاع الخاص حاليا اذا عرفت انتعاشا فذلك فقط بفضل الدولة التي تتكلف بالأغلبية الساحقة من المواطنين حيث يلجأ الى القطاع الخاص الاغنياء و مكدسي الثروات، لكن بنفي الدولة فلن يعرف القطاع الخاص اي ازدهار بل سنعود للرأسالمية المتوحشة كما كانت ابان القرن التاسع عشر، الرأسمالية ليست هي ابتكرت المواصلات و الالات الفلاحية و باقي التكنولجيا التي غيرت وجه الحياة على الارض، بل ان هذه التكنلوجيا هي التي ادت الى ظهور الرأسمالية ! للأسف هذه المغالطة شهيرة ينشرها بعض حفدة البرجوازيين اليوم بين من لا يعرفون التاريخ او ليست لديهم دراية بالموضوع، فالتكنولوجيا هي التي ادت الى خلق الرأسمالية و ليس العكس، و التكنولجيا بدورها اذا عدنا للتاريخ فقد ساهم فيها افراد تدعهم الحكومات اي درسوا في المدراس العمومية و الجامعات و تلقوا دعما من طرف المؤسسات التابعة للحكومات و لو كانت موالية "للبلاط".
الفوضويين (الاناركيين) الذين يريدون انهاء الدولة كليا فإنهم يراهنون على "طيبوبة" المواطنين و يعتقدون انهم لن يرتبكوا الجرائم و لن يسرقوا و لو بغياب القانون، و لا يختلف عنهم الليبيرتاريون الا بقليل حيث لا يزالون يدافعون عن دولة الحد الادنى رغم كون ايديولجيات اخرى تتقاطع معهم بخصوص "الحد الادنى"، و يقترحون ان تبقي الدولة على جهاز الامن و القانون فقط دون غيره، لكن و مع ذلك فإن الافراد سيعانون .. الاغلبية سيتعيش الامراض و الامية، فالليبيرتاريون يريدون حكومة تسهر على الامن فقط لحماية الاغنياء من عبيدهم الفقراء ! ليس الجميع بإمكانه ان ينشئ معملا خاصا به و ليس الجميع بإمكانه ان يمتلك ضيعة او محالا كبيرا، و ليس كل معمل او محلا يمكنه تشغيل عدد كبير من الناس، و في اقتصاد حر 100% رأس المال سيتراكم في يد الاقلية و حاليا في العالم فإن حوالي نصف الاموال يملكها افراد اغنياء محدودين جدا، و غياب الدولة او خفض الضرائب الى المستوى الغير المطلوب لتمول الامن فحسب فإنه لن يكون اهمام بالفضاء العمومي من بنيات تحتية كالطرق و المواصلات و الملاعب و الاماكن الترفيهية .. فالسياسة الوحيدة لليبيرتارية : الانانية و تركز الاموال في يد الاقلية و الاضرار بالمجال الطبيعي، يعني ان ندع الاغنياء يفترسون الفقراء الذين هم الاقلية ، كما ان المواد الطبيعية غير مملوكة لاحد دون غيره في داخل مجال معين بل ان الموارد يشترك فيها كل الناس، لكن الفلسفة الليبيرتارية لا يهمها سوى الربح و لو على حساب جوع الاغلبية و جهدهم و على حساب البيئة و على حساب الاجيال القادمة التي بلا شك تهدد الليبيرتارية وجودها.
و ان السوق الحرة ليست حرة بالفعل الا من خلال الاسم/الشعار الرنان و لا تعطي نفس الفرص للافراد ليصيروا ممتلكين و يعيشون في ظروف انسانية مناسبة: على سبيل المثال الاموال تنتقل بالإرث و تجد ابناء البورجوازي يرثون امواله و ممتلكاته في حين الفقير الذي هو من الاغلبية طبعا ليس له نفس الحظ بل عليه ان يكد و يجهد و لن يحقق مبتغاه في الاخير، و سيضل دائما مهمشا من طرف الطبقات الغنية. كما انه عندما لا تملك فأنك تصير عبدا لمن يملك، انها من نوع من العبودية الاقتصادية، صحيح ان السوق سوق حرة لكن هذا اقتصاديا فقط و على الجانب الاخر فأنها تؤدي الى العبودية الاقتصادية، الاقلية تحت رحمة الاغلبي ! اكثر من ذلك ففي التعليم لن تتوفر للجميع فرصة دفع اموال التعليم مهما بلغت المنافسة فالاغلبية ستضل غير قادرة على متابعة التعليم او لن يكون جيدا على الاقل لانه بفعل المنافسة الاقلية فقط من ستتمكن من التعليم الجيد. و ارى انه من الاخلاقي ان يكون للجميع نفس الفرص و الحظوظ في التعليم الجيد و التغطية الصحية التي لا يهتم بها الليبرتاريون هي الاخرى، و يرون ان السوق الحرة ستؤدي الى خفض اثمنة العلاج و الادوية لكن هذا غير صحيح تماما فإلى يومنا هذا معظم الصيدليات شركات الادوية خاصة و مع ذلك الاقلية فقط تتمكن من شراء الدواء خصوصا عند الحالات الحرجة التي تستلزم ادوية غالية، لكن بتدخل الدولة بالاتفاقات مع القطاع الخاص او بواسطة الضرائب يمكنها العمل في اتجاه توفير العلاج للأغلبية بأموال قليلة..
انها مسألة اخلاقية انسانية: هل ترى نفسك فقط ام انك تهتم بالآخرين ؟ هل انت مع المصلح الذاتية ام مع مصلحة الجماعة ؟ فالأنانيين سيدافعون عن مصالحهم الشخصية الذاتية و لو كانت تضر بالأغلبية الساحقة، اما الانسانيون فإنهم لا يستطيعون مشاهدة طفل غير قادر على ولوج المدرسة بسبب فقر والديه، و لا يستطيعون تكديس الاموال في حين يمكنهم التنازل عن بعضها لمساعدة الاخرين و التضامن معهم.